أبو علي سينا

232

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وفي الطحال عروق ضوارب ، وغير ضوارب كثيرة ، ينضج فيها الدم ، وتشبه بجوهره ، ثم تدفع الفضل ، وجرمه سخيفاً ليسهل قبوله للفضل الغليظ السوداوي الذي يداخله ، ويغشيه غشاء نابت من الصفاق ، ويشارك الحجاب بسبب ذلك ، فإن منشأ غشاء الحجاب أيضاً من الصفاق . فصل في اليرقان الأصفر والأسود : اعلم أن اليرقان تغير فاحش من لون البدن إلى صفرة ، أو سواد لجريان الخلط الأصفر ، أو الأسود إلى الجلد وما يليه بلا عفونة ، لو كانت ، لصحبها غبّ في الصفراء ، أو ربع في السوداء . وسبب الأصفر في أكثر الأمر هو من جهة الكبد ، ومن جهة المرارة . وسبب الأسود من الطحال . وقد يكون من الكبد ، وقد يتفق أن يكون سبب الأصفر والأَسود معاً هو المزاج العام للبدن . فلنتكلم أولًا في اليرقان الصفراوي فنقول : أن اليرقان الصفراوي ، إما أن يكون لكثرة تولد الصفراء ، أو لامتناع استفراغها ، وكثرة ما يتولد منها ، إما بسبب العضو المولّد ، أو بسبب المادة التي منها تتولد ، أو لأسباب غريبة . والعضو المولّد في الطبع هو الكبد ، فإنها إذا سخنت جداً للأسباب المسخنة ، أو الأورام في الكبد ، وفي مجاري الصفراء ، أو لسدد تحتبس المرة ، أو لمرارة ، أو لحرارة مزاج المرة ، فتسخّن الكبد جداً ، أحدثت الصفراء على ما علمت في مواضعه ، وأما المولد لا في الطبع ، فهو جميع البدن إذا سخن سخونة مفرطة ، أحال جميع ما فيه من الدم إلى الصفراء ، والمادة هي الأغذية . وإذا كانت من جنس ما تتولد منها الصفراء ، إما لحرارة مزاجها ، وإما لسرعة استحالتها إلى الحرارة ، كاللبن في المعدة الحارة ، لم تخل عن توليد الصفراء الكثيرة . وأما الأسباب الغريبة ، فمثل حر من خارج يشتمل عليه ، أو يفشو فيه بسبب مثل لسعة ، من جرارة ، أو حية ، أو ضرب من الزنابير الخبيثة ، أو عضّ مثل قملة النسر . وقد تفعله الأدوية المشروبة ، كمرارة النمر ، والأفعى ، إذا كانا بحيث لا يقتلان . والسمّي في الأكثر يظهر دفعة ، وما يكون من اليرقان لكثره الصفراء ، فقد يكون انتشارها من نفسها لشدة الغلبة على الدم ، وقد يكون على سبيل دفع من الطبيعة ، وهو اليرقان البحراني وهذه الكثرة قد يتفق أن تتولد دفعة ، وقد تتولد قليلًا قليلًا ، وفي الأيام إذا كان ما يتولد لا يتحلل لكثافة الجلد ، أو غلظ المادة . ولهذين السببين ما يكثر اليرقان عند هيجان الرياح الشمالية ، وفي الشتاء البارد ، وعند احتباس العرق المعتاد . وكثرة تولد الصفراء قد تكون في الكبد ، وقد تكون في البدن كله على ما قد علمت ، وقد تكون بسبب الأورام الحارة حيث كانت لما تغير من المزاج إلى الحرارة ، فيكثر تولد الصفراء ، فيحدث اليرقان عن مجاورة أورام حارة لتغيرها المزاج ، وإن كان قد يحدث ذلك